مروان وحيد شعبان
59
الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث
قلوبهم ، وثارت عواطفهم ، وتفاعلت أحاسيسهم بصدى القرآن ووقعه على مسامعهم فإنهم قد استيقنوا أن هذا الكلام هو كلام اللّه ، ولا يمكن أن يكون من تأليف إنس أو جن ، لأن الفرق بين كلام البشر وكلام اللّه كالفرق بيننا وبين اللّه ، بل إن المشركين كانوا يتوقون في كل لحظة لسماع كلام الحق وتضيق عليهم الأرض بما رحبت إن هم انقطعوا عن الاستماع للقرآن . ( ولذلك كان النفر من قريش يتعاهدون على عدم سماع القرآن حتى لا يتأثروا به ، ويذهبون إلى بيوتهم ، إلا أن الواحد منهم لا يلبث أن يرجع إلى الكعبة ليسمع القرآن ، الذي ملك عليه عقله وقلبه فيجد أن صاحبه الذي كان قد عاهده ، قد سبقه إلى العودة لسماع القرآن المعجز ، نديا من صوت محمد صلى اللّه عليه وسلم فيجتمعان أمام الكعبة وكل منهم قد نقض ما عاهد عليه صاحبه ! وحق لهم هذا . . . فمن ذا الذي يرى المعجزة ويملك نفسه أن لا يتأثر بها . . . ؟ إذ لو كان الناس يملكون هذا ، لما كان للمعجزة ذلك الأثر ) « 1 » . وهذا ما أورده أصحاب السير في سيرهم ، من أن المشركين كانوا يتلصصون في هدأة الليل ، أو هاجرة النهار ، ليستمتعوا وينتشوا بسماع كلام الحيّ القيوم ، فقد روى ابن هشام في سيرته : ( قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة ، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود على ذلك ثم تفرقوا ، فأراد الأخنس أن يستفهم عما سمعه فلما أصبح الأخنس بن شريق ، أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما
--> ( 1 ) المعجزة القرآنية ، محمد حسن هيتو ، ص : 39 .